محمد بن الطيب الباقلاني
37
إعجاز القرآن
ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل ، أو سير الليل ، أو وصف الحرب ، أو وصف الروض ، أو وصف الخمر ، أو الغزل ، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله ( 1 ) الكلام ، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وبزهير إذا رغب . ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام . ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها ، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى ، / فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ، ووقف دونه ، وبان الاختلاف على شعره ، ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم ، لأنه لا خلاف في تقدمهم ( 2 ) في صنعة الشعر ، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم . فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم ، لاختلاف ما يتصرفون فيه ، ستغنينا عن ذكر من هو دونهم . وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها . ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ، ولا يمكنه نظم القصيد أصلا . ومنهم من ينظم القصيد ، ولكن يقصر [ تقصيرا عجيبا ( 3 ) ، ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيدا . ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية ، ولا ينظم الرجز ، أو يقصر ] فيه مهما تكلفه أو تعمله ( 4 ) . ومن الناس من يجود في الكلام المرسل ، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا بينا ( 5 ) . ومنهم من يوجد بضد ذلك . وقد تأملنا نظم القرآن ، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها ، على حد واحد ، في حسن النظم ، وبديع التأليف والرصف ، لا تفاوت ( 6 ) فيه ، ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا / إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا . وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب ، من الآيات الطويلة والقصيرة ، فرأينا الاعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف . وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة [ تفاوتا بينا ، ويختلف اختلافا كبيرا . ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة ] فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت
--> ( 1 ) س : " ويتداوله " ( 2 ) م : " في تقديمهم " ( 3 ) س : " بينا " ( 4 ) س : " عمله " ( 5 ) س : " عجيبا " ( 6 ) م : " لا يتفاوت "